027 -- الإحساس بملك الملوك
فصل من كتاب الفوائد في قوله تعالى
وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله
يعلم وأنتم لا تعلمون
في هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد فان
العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب والمحبوب قد يأتي بالمكروه لم يأمن أن
توافيه المضرة من جانب المسرة ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة لعدم علمه
بالعواقب فان الله يعلم منها مالا يعلمه العبد وأوجب له ذلك أمورا منها
أنه لا انفع له من امتثال الأمر وان شق عليه في
الابتداء لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات ولذات وأفراح وان كرهته نفسه فهو خير لها
وأنفع وكذلك لا شيء أضر عليه من ارتكاب النهى وان هويته نفسه ومالت إليه وإن
عواقبه كلها آلام وأحزان وشرور ومصائب وخاصة العقل تحمل الألم اليسير لما يعقبه من
اللذة العظيمة والخير الكثير واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبه من الألم العظيم
والشر الطويل
ومن أسرار
هذه الآية إنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور والرضا بما
يختاره له ويقضيه له لما يرجو فيه من حسن العاقبة
ومنها أنه
لا يقترح على ربه ولا يختار عليه ولا يسأله ما ليس له به علم فلعل مضرته وهلاكه
فيه وهولا يعلم فلا يختار على ربه شيئا بل يسأله حسن الاختيار له وأن يرضيه بما
يختاره فلا أنفع له من ذلك ومنها
انه إذا
فوض إلى ربه ورضي بما يختاره له أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر
وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه وأراه من حسن عواقب اختياره له
ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه
إذا نفذ القدر في العبد كان من أعظم أسباب
نفوذه تحيله في رده فلا أنفع له من الاستسلام وإلقاء نفسه بين يدي القدر طريحا
كالميتة فان السبع لا يرضى بأكل الجيف
فصل لا
ينتفع بنعمة الله بالإيمان والعلم إلا من عرف نفسه ووقف بها
عند قدرها ولم يتجاوزه إلى ما ليس له ولم
يتعد طوره ولم يقل هذا لي وتيقن أنه لله وبالله ومن الله فهو المان به ابتداء
وإدامة بلا سبب من العبد ولا استحقاق منه فتذله نعم الله عليه وتكسره كسرة من لا
يرى لنفسه ولا فيها خيرا البتة وان الخير الذي وصل إليه فهو لله وبه ومنه فتحدث له
النعم ذلا وانكسارا عجيبا لا يعبر عنه فكلما جدد له نعمة ازداد له ذلا وانكسارا
وخشوعا ومحبة وخوفا ورجاء وهذا نتيجة علمين شريفين علمه بربه وكماله وبره وغناه
وجوده وإحسانه ورحمته وأن الخير كله في يديه وهو ملكه يؤتى منه من يشاء ويمنع منه
من يشاء وله الحمد على هذا وهذا أكمل حمد وأتمه وعلمه بنفسه ووقوفه على حدها
وقدرها ونقصها وظلمها وجهلها وأنها لا خير فيها ألبته ولا لها ولا بها ولا منها
وأنها ليس لها من ذاتها إلا العدم فذلك من صفاتها وكمالها ليس لها إلا العدم الذي
لا شيء أحقر منه ولا أنقص فما فيها من الخير تابع لوجودها الذي ليس إليها ولا بها
فإذا صار هذان العلمان صبغة لها لا صيغة على لسانها علمت حينئذ إن الحمد كله لله
والأمر كله له والخير كله في يديه وانه هو المستحق للحمد والثناء والمدح دونها
وأنها هي أولى بالذم والعيب واللوم ومن فاته التحقيق بهذين العلمين تلونت به
أقواله وأعماله
وأحواله وتخبطت عليه ولم يهتد إلى الصراط
المستقيم الموصل له إلى الله فإيصال العبد بتحقيق هاتين المعرفتين علما وحالا وانقطاعه
بفواتهما وهذا معنى قولهم من عرف نفسه عرف ربه
فانه من عرف نفسه بالجهل والظلم والعيب
والنقائص
والحاجة والفقر والذل والمسكنة والعدم عرف
ربه بضد ذلك
فوقف بنفسه عند قدرها ولم يتعد بها طورها وأثنى
على ربه ببعض ما هو أهله
وانصرفت قوة حبه وخشيته ورجائه وإنابته وتوكله
إليه وحده وكان أحب شيء إليه
وكان
وأخوف شيء عنده وأرجاه له وهذا هو حقيقة العبودية والله المستعان
ويحكى أن بعض الحكماء كتب على باب بيته أنه
لن ينتفع بحكمتنا
إلا من عرف نفسه ووقف بها عند قدرها فمن كان
كذلك فليدخل
و إلا فليرجع حتى يكون بهذه الصفة
اللهم إنا نشهدك أن
أستاذنا أحسن إلينا وأحسن تربيتنا
وأحسن تعليمنا وأعانه
الله علي نزع التكلف والكبر من
قلوبنا فاللهم أجزه
عنا خير الجزاء وأحسن له كما أحسنت
إلينا به واجمعنا
معه في رياض الجنة كما أحبك وحب من
يحبك وحبب إليك
كثيرا من خلقك *** اللهم آمين
الحياة في ظلال
القرآن للشيخ حسني أبوعيد
وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ
(75)
فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ
وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76)
فَأَعْقَبَهُمْ
نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا
وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)
أَلَمْ
يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ
عَلَّامُ الْغُيُوبِ ( 78 ) التوبة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق